موزاييك
حسم اتفاق الطائف جملة مفاهيم – معايير للوطنية اللبنانية دون ان يعود الى الوراء فيها، وقد حدد انطلاقتها بلحظة توقيع الاتفاق الشهير لانهاء سنوات طويلة من الحرب الاهلية وتحوله الى دستور للبلاد.واهم هذه المعايير ان لبنان بلد عربي وان اسرائيل هي العدو.
هوية لبنان هذه لم تكن امراً بديهياً او من "تحصيل الحاصل " بل جاءت ثمرة مئات الاف الضحايا والجرحى وخراب لف البلاد من اقصاها الى اقصاها. وتحديد العدو جاء ملازماً للخيار الاول.
اما مع انطلاقة "الحرب الاهلية " الاخيرة اي منذ 2005 ، وحتى الدوحة نظرياً لم يصغ اتفاق جوهري جديد على اساس ان الاتفاق الاول لا يزال صالحاً، ولكن الحقيقة اليومية ان لا احترام لمعايير الوطنية في الدستور، لا بالنسبة للهوية ولا بالنسبة للعدو، والا كيف يمكن لاحد المتربعين فى اعلى هرمية السلطة ان يعتبر ان اسرائيل جارة، وان احد النواب يعتبر انه لا يمكن وصف عميل موقوف بعد اعترافه بعلاقته مع اسرائيل بالعمالة لأن هناك آخرين يتعاطون مع سوريا وايران. كما ان "وجهات النظر " تتجاوز المرتكزات الدستورية لدى بعض اهل الاعلام بالنسبة لقاطني الشريط الحدودي حيث ينعتون بالمتآمرين على القرار الدولي او تعتبر الموقوفين لدى الاجهزة الامنية معتقلين وليسوا موقوفين.
اما لبنان فيحتاج الى ميثاق جديد تحدد فيه المعايير والمفاهيم الوطنية واما احترام ما هو قائم.
البلاد لا يحكمها اليوم اي صيغة من صيغ التفاهم المجتمعي المقونن وما هو قائم ليس الا اتحاد الطوائف اللبنانية الذي تتحدد مفاهيمه حسب معايير كل طائفة وساعة اذن ما هو مقبول لدى واحدة يصبح مرفوضا لدى الثانية، فيصبح لدى كل طائفة جيران واصدقاء هم لدى البعض الآخر اعداء.
ازمة حقيقية تلك التي يعيشها لبنان يومياً، مع كل انكشاف لعميل، وازمة عميقة عند كل مفترق، فدائما هناك طرف خارجي اقرب الى فئة لبنانية من فئة لبنانية اخرى وما هكذا تكون الاوطان.
المصالح المشتركة والقواسم المشتركة تصهر المجموعات وتخلق الشعوب، والهويات توحدها وفكرة الدولة تجمع كل هذه الاجزاء، اما في لبنان وربما منذ الاستقلال او حتى قبله، تلعب الطائفية دور آلية تفتت المصالح والقواسم، وتفتت الهوية وتمنع قيام الدولة، حتى انتقلت الى حلقة اضيق وهي المذهبية فتكاد اليوم تنتقل الى قلب المذاهب، وعندها تصبح الوصاية الخارجية امرا ضروريا وليس مطلوبا فقط، وعند غياب هذه الوصاية تحضر كل شروط الانقسام والتقاتل، في حين ان ابرز منتقدي هذه الوصاية هم من يوفرون كل الشروط الضرورية لاستجلابها بفعل تقديسهم للطائفية.
حسن مقلد |