البنك الدولي: انتعاش الاقتصاد السوري بعد الازمة المالية
والنمو المتوقع 5,2 % خلال العام 2010
كان للأزمة المالية العالمية اثر شديد الوطأة في معظم البلدان، ومنها بلدان العالم الثالث. وكانت الاسباب عديدة واهمها الهبوط الكبير في الطلب العالمي. تأثرت سوريا بالازمة فشهدت تباطؤا في نشاطات الاقتصاد الحقيقي، لكن هذا الاثر كان نسبياً اقل مما في البلدان العربية الاخرى وبلدان الشرق الاوسط وبعد صدمة الجفاف الذي دام ثلاث سنوات، كانت صدمة الازمة العالمية. اما نمو حصة الفرد من الدخل القومي فلا يزال الى حد كبير ادنى من الممكن. ان مواجهة نتائج هذه الازمات وتكاليفها، ووجود خطة انمائية خمسية جديدة، وبرنامج اصلاحي طموح هي كلها عناصر هامة في تحديد آفاق نمو الاقتصاد وتطوره في العقود القادمة.
تباطؤ النمو نتيجة الاثار السلبية لعوامل العرض والطلب
ادى جفاف لا سابق له استمر ثلاث سنوات الى تقلص شديد من جانب العرض في القطاع الزراعي، علما بأن الزراعة تمثل حوالي 25 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا مقدار كبير بالنسبة الى الدخل الفردي (2.600 دولار في سنة 2008). ومما يزيد شدة تقلص العرض وجود انخفاض في مستوى الانتاجية، ونظام اعانات مالية يكلف الحكومة السورية ما يقارب 4 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. غير ان احد اعمدة الاقتصاد السوري بدأ انتعاشه ببطء بعد تقلص بمعدلات تجاوزت 10 بالمئة في سنتي 2007 و 2008.
وكان على المناطق الزراعية في شمالي وشرقي البلاد ان تواجه معدلات مرتفعة من الخسارة في وظائف العمل، وانخفاض في كمية الغذاء المتوفر، وحركة كبيرة من الهجرة الداخلية. واصبح عدد كبير من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية الطارئة واشكال اخرى من دعم القطاع العام.
بدأ القطاع الزراعي انتعاشه خلال سنة 2009 ، لكن الهبوط الشديد في الطلب العالمي شكل صدمة عنيفة ثانية. ومع ان ارتباط القطاع المالي السوري بالاسواق المالية العالمية ارتباط ضعيف. بالاضافة الى وجود اجراءات رقابة احترازية ذات طابع محدود، فقد نجم عن ذلك انخفاض شديد في الطلب على الصادرات. وادى هذا التراجع في الطلب، خصوصاً من جانب البلدان الاوروبية وبلدان مجلس التعاون الخليجي، الى تباطؤ النمو بالقيمة الحقيقية وتفاقم العجز في حساب المعاملات الجارية. وفي سنة 2009، هبطت الصادرات بنسبة 17 بالمئة على اساس سنوي. وهبط ايضاً الاستثمار الاجنبي بنسبة 7 بالمئة، كما هبطت تحويلات العاملين في الخارج بنسبة 4 بالمئة، وهذا امر هام من زواية اتجاهات النمو التي ظهرت مؤخراً في مصادر التمويل هذه. ومع ان اثر الازمة العالمية كان معتدلاً، فالاستجابة عن طريق سياسة توسعية كان مبررا بهدف دعم الطلب الاجمالي ومساندة الاقتصاد بعد صدمة الجفاف الشديد الذي دام ثلاث سنوات
تنشيط عن طريق المالية العامة بمساعدة السياسة النقدية
ما هو شكل استجابة المالية العامة وسياستها في اقتصاد متحول يمر بإصلاحات بالغة الاهمية ويستعد لاصدار سندات خزينة، علماً بأن سعر الصرف مربوط بسلة من العملات وان معدلات الفائدة غير محررة بالفعل؟ كان على عملية التنشيط ان تنطلق من المالية العامة. لان اداة السياسة النقدية كانت مستبعدة. وهذا ماتم بالفعل، اذ اعتمدت سوريا في سنة 2009 سياسة توسعية في المالية العامة فازداد مجموع الانفاق العام بنسبة 5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي لاسباب اهمها ارتفاع في الاستثمارات العامة وفي اجور القطاع العام وتحويلات التعويض عن ارتفاع اسعار الوقود. وادى ذلك الى اتساع عجز المالية العامة بمقدار نقطتين مئويتين فبلغ حوالي 5.5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. واتخذت ايضاً تدابير سياسية عامة للتخفيف من آثار الجفاف.
انتعاش الاقتصاد السوري بعد الازمة المالية توقعات سنة 2010
يتسع نطاق السياسة النقدية المستقلة بشكل تدريجي في الاقتصاد السوري، مع وجود سعر صرف مربوط. ومع ذلك، قامت السياسية النقدية بدور داعم خلال الازمة، اذ اتخذت مصرف سوريا المركزي مجموعة من التدابير شملت تخفيض الاحتياطي الالزامي (بنسبة 5 بالمئة) واعتماد معدلات فائدة توجيهية على الاقراض، مما ادى الى مرونة في السياسة النقدية ومساندة الجهود في سياسة المالية العامة.
فهل كانت الاستجابة عن طريق سياسة المالية العامة استجابة ملائمة؟
الواقع ان الاستجابة لصدمة من جانب العرض (نتائج الجفاف) بانتهاج سياسة توسيعية في ميدان المالية العامة قد يعرض الاقتصاد، في حال عدم تقلص الطلب الاجمالي، لخطر حدوث ركود مقرون بالتضخم. لكن السياسة التوسعية كانت ملائمة اثر الازمة العالمية وذلك لسببين: اولا، كان من الضروري مجابهة آثار الازمتين، من جانب العرض كما من جانب الطلب، نظراً لما لهذه الاثار من وقع في النمو الاقتصادي واوضاع الفئات الفقيرة خصوصا في المناطق الريفية الشمالية والشرقية:ثانياً، لانه تحقق تقدم كبير في اصلاح اوضاع المالية العامة وضبطها خلال الفترة السابقة للازمة. كذلك يبدو ان التدابير الخاصة بسياسة المالية العامة قد حققت اهدافها.
الاقتصاد السوري في طور الانتعاش
تشير التطورات الاخيرة الى ان الاقتصاد السوري نجح نسبيا في تجنب الازمة المالية العالمية. ومع ان عجز المالية العامة اتسع بمعدل 2,5 بالمئة فبلغ 5,5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي في سنة 2009، فإن نتائج الحسابات الداخلية والخارجية هي على مستوى جيد وقابل للاستمرار. بالتالي، من الممكن ومن الضروري مواصلة تدابير السياسة التوسعية الى ان يصبح الاقتصاد في وضع متين. وعلى صانعي السياسة الاقتصادية ان يخططوا بعناية لالغاء تدابير التنشيط بشكل تدريجي، واعتماد ضريبة القيمة المضافة التي طال انتظارها، مع مواصلة ضبط الاوضاع في المالية العامة. وبهذا الصدد، من المهم للغاية مواصلة الاصلاح في نظام الاعانات المالية المكلف بإجراء تخفيض تدريجي في عدد السلع الخاضعة للتسعير الاداري. غير ان الهبوط الجاري حالياً في ايرادات النفط يعرض الاقتصاد لمخاطر تأثير سلبي.
وفي سنة 2009، تباطأ النمو بالقيمة الحقيقية حتى مستوى 4 بالمئة ولم يتحقق سوى نمو اقتصادي هامشي من حيث حصة الفرد من الناتج المحلي الاجمالي، لان معدلات النمو السكاني لا تزال مرتفعة ومع ذلك، من الممكن للاصلاحات البنيوية التي نفذت بنجاح في السنوات الاخيرة ان تؤدي، مع مواصلة التقدم خلال السنوات القادمة، الى جعل الاقتصاد السوري اكثر جاذبية من حيث فرص الاستثمار والطلب على الصادرات. ومن الممكن ايضا لهذه الاصلاحات ان تتيح للاقتصاد ان يستفيد بقدر كبير بعد انتهاء الازمة وعودة الطلب العالمي الى الارتفاع. ومن الممكن في المرحلة اللاحقة للازمة، ان يتلقى نمو الاقتصاد دعما من انتعاش القطاع الزراعي، وازدياد تحويلات العاملين في الخارج، وازدهار القطاع السياحي، الذي شارك، خلال سنة 2009، في تخفيف آثار الازمة.
وبالاضافة الى تباطؤ النمو الاقتصادي ادت الازمة العالمية الى زيادة كبيرة في عجز حساب المعاملات الجارية الذي بلغ 4,5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي في سنة 2009، اذ كان هبوط الصادرات اسرع من هبوط الطلب على الاستيراد. وبالتالي، فالعجز المقدر في حساب المعاملات الجارية يفوق بنسبة نقطتين مئويتين العجز المسجل سنة 2007. وتعبر هذه الزيادة الى حد كبير عن هبوط الطلب العالمي وعن اثر تدابير السياسة التوسعية التي اعتمدت خلال الازمة. غير انه يتوقع انخفاض هذه الزيادة حتى مستويات اقل بعد ان يعود الطلب العالمي الى الارتفاع خلال سنة 2010 بالاضافة الى انهاء تدابير السياسة التوسعية.
ونتيجة لارتفاع اسعار الاساسية وانتعاش التجارية العالمية تشير التوقعات الى تحسن في اداء الاقتصاد السوري اذ يتوقع نموه بنسبة 5,2 بالمئة خلال سنة 2010. ولكن، لا تزال هناك تحديات في ميدان السياسة الاقتصادية وعلى صانعي هذه السياسة ان يصمموا استراتيجية لتصحيح اوضاع المالية العامة،مع الالتفاف الى ضرورة حماية الانفاق على الفئات الفقيرة ومواصلة عملية الانتعاش.
تحديد السياسة الاقتصادية
يواجه الاقتصاد السوري تحديات عديدة خلال سنة 2010. ومن الضروري بهذا الصدد الغاء تدابير التنشيط تدريجا من اجل اعادة التوازن الى حسابات المالية العامة ومن الضروري ايضاً مواصلة التحسينات الجاري تنفيذها في فعالية نفقات المالية العامة خصوصا في ما يتعلق بالبنية التحتية وفي الوقت نفسه هناك خطة انمائية خمسية جديدة في طور الاعداد كما ان من الضروري تدعيم برنامج الاصلاح الطموح الذي انطلق سنة 2004 ومتابعة على نمط اسرع.
وكما كان الوضع قبل الازمة يبقى الهبوط المستمر في انتاج النفط التحدي الرئيسي الذي يواجه السياسة الاقتصادية وقد ادى ذلك الى عجز مزدوج في حساب المعاملات الجارية وحسابات المالية العامة ومن الضروري موازنة هذا الاتجاه بالتركيز على تدابير سياسة اقتصادية تستهدف تشجيع المبادرة الفردية والاستثمار كي يتعزز النمو في القطاع غير النفطي ويتم تنويع الصادرات وزيادة حجمها وصيانتها والواقع انه ليس بالامكان تحقيق تقدم كاف الا بمواصلة النهج الاصلاحي،كي يتم بلوغ الاهداف التالية: تحسين مستويات المعيشة والنجاح في مواجهة تكاثر السكان المرتفع وتأمين وظائف للقوة العاملة المتزايدة باستمرار.
ان هذه الميادين تشكل في الواقع اهدافاً لاصلاح متواصل ومع ان القطاع المالي شهد في السنوات الاخيرة جهودا اصلاحية ذات اهمية، فهو بحاجة الى اصلاح اعمق ذلك ان اعادة تشكيل القطاع المالي خطوة اساسية في تسريع عملية الانتقال الى اقتصاد سوقي اجتماعي ومع ان حجم الائتمانات سجل ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الخمس الاخيرة لا يزال القطاع العام يتلقى منها حصة مفرطة في حين ان المؤسسات الخاصة تنال حصة ضئيلة. وبالتالي، فإن مستوى الاستثمار الخاص مستوى منخفض كما ان من الضروري تحسين الوساطة المالية لزيادة قدرة القطاع المالي على منح الائتمانات واستخدامها بشكل امثل. لذلك لا بد من زيادة قدرة المصارف الخاصة والعامة على تقييم المخاطر. وثمة تحديات اخرى لا يزال القطاع المالي يواجهها ومنها تعزيز بورصة دمشق، التي اعيد فتحها مؤخراً واصدار سندات خزينة.
ومن جهة اخرى تواجه سوريا تحديا رئيسيا ثانيا هو مواصلة انفتاح اقتصادها على الاسواق العالمية وزيادة التنويع في قاعدة الانتاج وفي سلة الصادرات ومع ان القدرة التنافسية لنظام الاستيراد السوري تحسنت بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة، لاتزال معدلات الحماية مرتفعة بشكل يعيق نموا اقتصاديا تقوده الصادرات وفضلا عن ذلك يتصف هذا النظام بتعقيد لا لزوم له كما ان خدمات البنية التحتية وتسهيلات النشاط التجاري تحتاج الى تحسينات كبيرة. اخيرا وليس آخرا، نجد ان تكاليف التجارة هي اعلى مما هي عليه في البلدان النظيرة. وبهذا الصدد، من الضروري، دون ابطاء، انشاء نظام تنافسي لحوافز التصدير، وتوجيه الاصلاحات نحو تبسيط نظام حماية الاستيراد، وتخفيض تكاليف التجارة، وتحسين حوافز التصدير.
اما التحدي الثالث فهو ان ضعف بيئة الاعمال والبنية التحتية التي تساندها يشكل عقبة رئيسية تعيق نمو الاستثمار الخاص المحلي والاجنبي. كذلك فإن ضعف المعايير المحاسبية لدى مؤسسات الاعمال الصغيرة والوسطى لا يتيح حالياً لهذه الاخيرة ان تعبر بقوة عن جدارتها الائتمانية، كما انه ادى الى تأخير الضريبة على القيمة المضافة التي لا بد من اعتمادها لضبط الاوضاع في حسابات المالية العامة. ومن جهة اخرى، يدل تقييم بيئة الاستثمار لسنة 2009 على ان مؤسسات الاعمال ترى ان الفساد وغموض الانظمة الرقابية هما عقبتان رئيسيتان تعيقان النمو في القطاع الخاص. ومن الخطوات الهامة لازالة مصادر الفساد والتوجه نحو اقتصاد سوقي اجتماعي: (أ) ترشيد نظام الاعانات المالية الذي يستغرق قسما كبيرا من ميزانية الدولة ويؤدي الى تشويه كبير في الاسواق: (ب)تنفيذ خطة العمل الخاصة بالادارة الرشيدة التي اعتمدتها الحكومة السورية مؤخراً.
اخيراً، يجب تكميل هذه الاصلاحات البنيوية بالاصلاحات الجاري تنفيذها في الميادين التالية: قطاع التعليم، ونظام الحماية الاجتماعية، وادارة الموارد الزراعية والمائية وبصورة خاصة ادارة الموارد الطبيعية والبيئة وغاية ذلك المحافظة على نمو مرتفع يؤدي الى ايجاد فرص عمل جديدة.
والخلاصة ان سوريا اتخذت تدابير مناسبة للتخفيف من اثر صدمتين كبيرتين عانتهما على صعيد الاقتصاد الكلي خلال السنوات الاخيرة، بموازاة الانطلاق في مسار اصلاحي طموح، علما بأن النجاح في تنفيذ الإصلاح سوف يتيح لها تحسين مستويات المعيشة وتحقيق نمو قابل للاستمرار خلال العقود القادمة. ومع ذلك، لا يزال الدخل منخفضا في سوريا مقارنة بغيرها من بلدان منطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا. اما اهم تحديات السياسة الاقتصادية فتكمن في زيادة العمالة والانتاج غير النفطي، بغية التعويض عن النضوب المستمر في احتياطي النفط