إصلاح التعليم في سوريا:لدعم الإنتقال إلى إقتصاد سوق إجتماعي
حنين السيد
تعهدت سوريا في الخطة الخمسية العاشرة 2006 – 2010، وكمرحلة من انتقالها إلى اقتصاد السوق الإجتماعي، بإصلاح النظام التعليمي ليتوافق بشكل أفضل مع الحقائق الإجتماعية والإقتصادية الناشئة. والهدف من الخطة الخمسية العاشرة تسهيل الإنتقال من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد السوق. وهي تركز على تعزيز التنمية الإجتماعية بما يشمل إستراتيجيات الحد من الفقر وخفض البطالة من خلال إصلاحات في قطاعات التربية والتعليم والحماية الصحية والإجتماعية والإفساح أمام دور أكبر للقطاع الخاص.
على مدى العقود الثلاثة المنصرمة، حقق قطاع التربية في سوريا نجاحات هامة في توسيع نطاق الوصول إلى تعليم ومكافحة الأمية وإنتاج قوة عاملة للقطاع العام. وكان صافي نسبة الإلتحاق بمرحلة التعليم الإبتدائي (NER) في سوريا البالغ 95% أعلى بكثير من المتوسط في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفي البلدان ذات الدخل المتوسط المتدني (LMIC). وكذلك الأمر بالنسبة لمعدل معرفة القراءة والكتابة الذي بلغ 83% (2007) كما أن الفارق بين الجنسين في نسبة التسجيل ضئيل جداً.
ورغم الإستثمارات الكبيرة في توسيع الغطاء التعليمي فإن فرص الوصول إلى التعليم يظلّ منخفضاً في مرحلتي ما قبل وما بعد التعليم الإبتدائي مقارنة بدول في المنطقة وغيرها من الدول ذات الدخل المتوسط المتدني. وعلى الرغم من أن معدل الإلتحاق في المرحلة ما قبل الإبتدائية منخفض عموماً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع متوسط 16% غير أنه في سوريا أدنى من ذلك مع نسبة 13% فقط من الأطفال المسجلين. أما في المرحلة الثانوية فقد كانت سوريا البلد الوحيد الذي شهد إنخفاضاً هاماً في معدلات الإلتحاق ما بين العامين 1985 و 2000، بالإضافة إلى العراق. فقد إنخفض إجمالي نسبة الإلتحاق بالمرحلة الثانوية من 58% في سنة 1985 إلى 41% في سنة 2000. غير أنه عاود الإرتفاع خلال السنوات الخمس الأخيرة ليبلغ 68%، ومع ذلك لا تزال سوريا دون المتوسط الإقليمي (74%) ودون المتوسط في البلدان المماثلة ذات الدخل المتدني (76%). أما على مستوى التعليم العالي، فإن أقل من نصف الحاصلين على الشهادة الثانوية إلتحقوا بالجامعات الرسمية. وتظهر آخر بيانات وزارة التربية أن إجمالي نسبة الإلتحاق بالتعليم العالي بلغ 17% في سنة 2005.
تشير المقارنة مع دول المنطقة ومع البلدان ذات الدخل المتوسط المتدني
(LMIC)
إلى تدني نوعية التعليم في سوريا. وقد أظهرت الدلائل العالمية أن التوسع وحده غير كاف وأن تأثير الرأسمال البشري على النمو سيعتمد على جودة نظام التعليم والتدريب ونوعية الرأسمال البشري الناتج عنه. وقد أظهر تحليل أداء سوريا في امتحان "توجهات الدراسة العالمية في الرياضيات والعلوم
" 2007TIMSS
تحسينات هامة مقابل نتائج
2003TIMSS
، ومع ذلك ما زال أداء سوريا أدنى من المتوسط العالمي في الرياضيات والعلوم (كما في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأخرى) فأدائها في الرياضيات أدنى من الإتجاه العام مقارنة مع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (2003). من المؤشرات الأخرى عن تدني نوعية التعليم، إرتفاع معدلات التسرب والرسوب في النظام التعليمي وكذلك العدد الكبير للمعلمين ذوي التأهيل والتدريب المتدني (أكثر من 60% من المعلمين في سوريا يحملون دبلوماً بعد دراسة مدتها سنتان فقط، كما أن عدداً كبيراً من حاملي الشهادات بعد دراسة مدتها أربع سنوات لم يتلق أي تدريب في مجال التدريس).
يشكل تدني مستوى الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي في سوريا تحدياً هاماً. فبالإضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب والرسوب، فإن عدد المعلمين بالنسبة للتلامذة / الطلاب في سوريا هو من أدنى النسب في العالم وفي المنطقة مما يشير إلى مصدر آخر للهدر الداخلي. وترجع النسبة المنخفضة إلى حد ما لعدد التلامذة بالنسبة لعدد المعلمين في قطاع التعليم العام إلى التوظيف العالي نسبياً للمعلمين مقارنة مع تزايد عدد الطلبة. فقد ارتفع عدد المعلمين بنسبة 7% بين العامين 2000 و 2006، أي تقريباً ضعف نسبة تزايد عدد التلامذة مما أدى إلى إنخفاض نسبة تلميذ/ معلم إلى 1/19 في مرحلة التعليم الأساسي وإلى 1/9 في مرحلة التعليم الثانوي. وفيما لا تتوفر بيانات لإجراء مقارنة مباشرة مع مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي فإن آخر البيانات عن متوسط نسبة تلميذ/ معلم في مرحلة التعليم الإبتدائي تشير إلى وجود نسبة 1/31 في دول شرق آسيا والمحيط الهادىء، ونسبة 1/25 في دول أميركا اللاتينية والكاريبي. ومن شأن تحقيق معدل منخفض لعدد التلامذة بالنسبة لعدد المعلمين أن ينتج صفوفاً أكثر حيوية ومخرجات تعليمية أفضل، غير أن رواتب وحوافز المعلمين في سوريا متدنية مما يعيق الأداء المرتفع ويؤدي إلى إنتاجية منخفضة للمعلمين. تأتي رواتب المعلمين في القسم الأدنى من سلّم الرواتب في القطاع العام، ويعادل راتب المعلم المتوسط المستوى نسبة 80% من راتب صاحب أي وظيفة حكومية مماثلة. ورغم أن الرواتب قد ارتفعت بشكل ملموس في القطاع العام خلال الخمس سنوات الأخيرة لكن ذلك لم يردم الفجوة بين رواتب المعلمين ورواتب الوظائف الأخرى في القطاع العام التي تتطلب مهارات وإنجازات أكاديمية مشابهة.
كما أن الكفاءة/ الفعالية الخارجية للتعليم منخفضة أيضاً لوجود روابط ضعيفة بين التعليم وسوق العمل. فسوق العمل في سوريا يتميز بضغوط ديموغرافية كبيرة، وبطء الطلب على العمالة وجمود متجذر بعمق مما يؤدي إلى تأثير سلبي على عمالة الشباب. وقد ارتفع معدل البطالة من 4.3% في سنة 1981 إلى 11.6% في سنة 2003 (تحديث)، في الأغلب بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15-24 سنة. بل أن نسبة البطالة هي أعلى بين العمال المتعلمين منها بين غير المتعلمين، في الأغلب بين ذوي التعليم الإبتدائي (47.3%). وهناك شك بأن نظام التعليم في سوريا يساهم في الوضع الراهن من خلال عجزه عن تزويد الطلاب بالمهارات والمؤهلات المطلوبة في سوق العمل. كما أن الرواتب في سوريا متدنية ولا تتغير كثيراً مع التحصيل التعليمي، مما يؤثر على إمكانية إستئناف الدراسة ومستوى التحصيل التعليمي في البلاد. وقد قدرت دراسة حديثة معدلات العودة إلى المراحل المختلفة للدراسة في سوريا ووجدت أنها أدنى من المعايير الدولية.
عناصر استراتيجية
تحديث القطاع التعليمي
يمكن التحدي أمام النظام التعليمي في سوريا على المدى الطويل في تكوين قوة عمل عالية التأهيل تجسد المهارات والمؤهلات اللازمة لمساعدتها في الإنتقال إلى إقتصاد السوق. وهناك حاجة ملحة لتحسين نوعية وملائمة التعليم لتعزيز إنتاجية قوة العمل. وهذا يستلزم أولاً تطوير وتدريب المعلمين ولكن ضمن مقاربة شاملة لإصلاح مدخلات التعليم. وهو يتطلب ثانياً توفير أفضل لنوعية جيدة من العناية بالطفولة المبكرة وتربيتها مما يؤمن أسساً للتعليم. ويتضمن ذلك ثالثاً، إصلاح نظام التعليم والتدريب المهني في سوريا، وربطه بشكل أفضل مع احتياجات سوق العمل وإدخال المزيد من المرونة من أجل تلبية الإحتياجات المتغيرة للإقتصاد.
أما على المدى القصير والمتوسط، فيحتاج النظام التربوي في سوريا مواجهة الضغوط السكانية. إذ يجب التخطيط بعناية تامة لأي توسيع في البنية التحتية المدرسية لضمان المساواة في فرص الوصول إلى التعليم. ويجب أن تركز أولويات الحكومة السورية من أجل تعميم الإلتحاق بالتعليم على استهداف المجموعات السكانية الأكثر حرماناً والأقل تلقياً للخدمات التعليمية، والسعي إلى بناء قاعدة لمجموعة من القوة العاملة الماهرة التي يمكنها تلبية متطلبات إقتصاد يتعولم. وإن من شأن استهداف هذه المجموعات السكانية أن يوفر لهم إمكانية متكافئة للإستفادة من الفرص الناشئة في الإقتصاد من ناحية، وأن يزودهم بالرأسمال البشري اللازم لمجابهة تكاليف الإنتقال إلى اقتصاد السوق من جهة ثانية.
وعلى المدى القصير أيضاً تحتاج الحكومة السورية إلى استكشاف الخيارات التمويلية لدعم الإصلاح التربوي وتحسين فعالية الإنفاق الذي من شأنه أن يولد وفرات هامة يمكن إعادة توظيفها في المزيد من توسيع فرص الإلتحاق بالتعليم وتحسين نوعيته. ويمكن إيجاد وفرات هامة من خلال رفع نسبة عدد التلامذة على عدد المعلمين في مرحلتي التعليم الإبتدائي والثانوي على حد سواء من خلال الإشراف على عملية توظيف المعلمين مما يؤدي إلى التوفير في ما يقارب ثلث موازنة الرواتب بحلول 2015. ويمكن أن تصبح هذه الموارد المدّخرة مصدراً هاماً لتمويل الإستثمار في الجودة التي يحتاجها النظام التربوي. وسيساهم توجيه الموارد نحو تحسين النوعية في تخفيض نسبة الرسوب مما يؤدي بالتالي إلى تحسين الفعالية والكفاءة.
وهناك دور للقطاع الخاص في تلبية الطلب المتزايد على التعليم. وقد خطت سوريا خطوات إيجابية في هذا الإتجاه بإقرار قانون المدارس الخاصة بما يتيح للقطاع الخاص الإستثمار في التعليم، ولكنه لا يزال مورداً غير مستثمر. وتستطيع الحكومة السورية وضع حوافز للمزيد من تشجيع إنخراط القطاع الخاص في توسيع نطاق الإلتحاق بالتعليم بينما تراقب عن كثب نوعية التعليم الذي يوفره هذا القطاع.
ويمكن لتدريب المعلمين الفعال ولتطويرهم أن يحسن الجودة والفعالية الداخلية. وقد باشرت الحكومة السورية في برنامج تطوير للمعلمين يتضمن منح شهادات للمعلمين، وتحديث التدريب لما قبل الخدمة وأثناء الخدمة وتوفير فرص للدراسة عن بعد وعبر قنوات تعليم إفتراضية ومفتوحة. ورغم إيجابية هذه الخطوات فإن التجربة تظهر أن التدابير الإدارية الجزئية كتطوير البرامج غير كافية لتحسين نوعية التدريس. ويتوجب على سياسة شاملة للمعلمين أن تتضمن إجراء إصلاحات في التعليم الأساسي للمعلمين وفي تصميم وتطبيق المعايير المهنية وكذلك الإصلاح في التدريب أثناء الخدمة والإنفتاح على موفري خدمات من غير القطاع العام، ووضع نظام حوافز للمعلمين مصمم بشكل جيد وتطبيقه مما سيؤثر على نتائج التلامذة.
ويمكن لتوسيع نطاق رعاية وتربية للطفولة المبكرة أن يساهم في تحسين جودة التعليم، وأن يعزز التكامل الإجتماعي للجيل الشاب في سوريا. وتتضمن الخطة الخمسية العناصر الأساسية لإستراتيجية رعاية وتربية الطفولة المبكرة ضمن مقاربة شاملة تجمع بين التعليم والرعاية الصحية ومن خلال مشاركة أكبر مع القطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
كما سيساهم إصلاح نظام التعليم التقني والتدريب المهني في تحسين الفعالية الخارجية لنظام التعليم. وإذا كان لسوريا أن تنافس في الأسواق العالمية، يحتاج الإقتصاد أن يقدم منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى وجودة أفضل. ويستلزم ذلك مستويات أعلى من المهارات وقوة عمل أفضل تأهيلاً. فضلاً عن ذلك، فإن المنافسة المتزايدة ودخول تكنولوجيا المعلومات والإتصالات حثت العديد من الشركات على إجراء تغييرات أساسية في تنظيمها الداخلي وممارستها العملية التي تتطلب قدراً أكبر من المهارات والمسؤوليات لقوة العمل، بما في ذلك مهارات حل المشاكل ومهارات التواصل وتعدد المهام. ورغم التحديثات الأخيرة التي أدخلتها الحكومة السورية سيحتاج نظام التعليم التقني والتدريب المهني إلى إصلاح رئيسي ليتلاءم مع إقتصاد سوق جديد يقوده القطاع الخاص بشكل متزايد. ويجب أن تشمل الإصلاحات:
مشاركة أكبر لأرباب العمل في تصميم وتنفيذ التدريب
توفير المزيد من المرونة في التدريب لتلبية الإحتياجات المتغيرة للطلب في سوق العمل ولإتاحة فرصة التعلم مدى الحياة
تحديث وتجديد محتوى وأساليب التدريب بما يسمح بالتدريب العملي على مستوى الشركات
تحديث نظم الرصد والتقييم
إصلاح بنى الإدارة من أجل تنسيق أفضل وقدرة أكبر على المحاسبة
إستكشاف شراكات التمويل بين القطاعين العامة والخاص
إن رصد وتقييم تعلم الطلاب يرتديان أهمية كبيرة لتقدير مدى تأثير نظام التعليم ولوضع سياسة قائمة على الأدلة. وسيكون من الضروري للحكومة السورية تطوير قدرتها على قيادة بحث موجه سياسياً قائم على التقييمات والتقديرات بما في ذلك التقييمات الدولية مثل
TIMSS
والبرنامج الدولي لتقييم الطلبة
(PISA).
كما ويجدر بها الإستمرار بالمشاركة في الدراسة الدولية
TIMSS
كي تتمكن من مقارنة تقدمها مع البلدان الأخرى في المنطقة والعالم.
دراسة للبنك الدولي