الدكتور غازي عبد الله وزني
وقع لبنان وسوريا العديد من الاتفاقات والبروتوكولات في المجالات الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية والصحية والنقل والطاقة وشملت مختلف أوجه التعاون التشريعي والضرائبي وإنتقال الاشخاص و روؤس الاموال وحرية العمل وتبادل المنتجات الصناعية.
تحتاج هذه الاتفاقات الى مراجعة لضمان مصالح البلدين ولتصبح اكثر إنسجاما مع المتغيرات الداخلية واكثر ملاءمة مع التطورات الاقتصادية في سوريا . كما تتطلب المراجعة ازالة المعوقات في النصوص التنظيمية وفي إنعدام التكافؤ الاقتصادي في المجالات الصناعية والزراعية. شهد الاقتصاد السوري في بداية العقد الحالي تطورا في انتقاله بوتيرة بطيئة وتدريجية من نظام اقتصادي اشتراكي تلعب الدولة والمؤسسات العامة دورا اساسيا فيه الى اقتصاد السوق الاجتماعي المنفتح الذي يعتمد على تعزيز دور القطاع الخاص و التدقفات المالية الخارجية و المداخيل النفطية و الاستثمارات الاجنبية والعربية. ظهرت الاصلاحات الهيكلية والتحرير الاقتصادي عبر تقليص دور الدولة وإصلاح المؤسسات العامة وتحديث القوانين وتقديم الحوافز للمستثمرين ، و من خلال اصلاح القطاع المصرفي والمالي عبر اعتماد سياسة الانفتاح والسماح بإنشاء مصارف خاصة واسلامية اجنبية واتباع سياسة التحرير للتجارة الخارجية، ومن خلال اصلاح القطاعات الاقتصادية عبر تعزيز قطاع الخدمات الذي يمثل حاليا نسبة 48 % من الناتج المحلي مقابل 52 % لقطاعي الزراعة والصناعة مع الاشارة الى النمو الملحوظ في السنوات الاخيرة للقطاع السياحي و القوي للقطاع العقاري والمتواضع للقطاع المصرفي و لتراجع القطاع الزراعي . يتمتع القطاع الانتاجي السوري بميزات تفاضلية وشهد خلال العقد الاخير تحسنا في ميزات قطاعه الخدماتي.
أما أهم الاتفاقيات الاقتصادية التي تحتاج الى المراجعة هي الاتية:
إلاتفاق في شأن تبادل المنتجات الزراعية :
تواجه معوقات تتعلق بآلية التنفيذ والاطر الادارية، وعدم توحيد التشريعات والقوانين، وإنعدام مراعاة الروزنامة الزراعية، وعمليات الاغراق والتهريب يضاف اليها المنافسة غير المتكافئة بين الزراعة اللبنانية والزراعة السورية و دول الجوار ( تركيا – الاردن – مصر ...).
يمثل القطاع الزراعي اللبناني نسبة 7 % من الناتج المحلي مقابل 20 % للقطاع السوري . تفتقد الزراعة اللبنانية القدرة التنافسية بسبب إرتفاع كلفة الانتاج ، ومحدودية المساحات، و صعوبة التمويل، وصغر حجم السوق . في المقابل تتمتع الزراعة السورية بمساحات شاسعة، بيد عاملة رخيصة، بدعم حكومي، بسياسة حمائية . لا يمكن في هذه الظروف ان ينافس لبنان سوريا في المجال الزراعي .
إتفاق في شأن التعاون والتنسيق الصناعي واهمها الاتفاقية حول حرية تبادل المنتجات الصناعية التي خفضت التعرفة الجمركية بنسبة 25% سنويا حتى الغائها نهائيا في نهاية العام 2003.
تواجه معوقات تتعلق في تفسير التشريعات والاجراءات، في التباينات حول الرسوم الجمركية ، في السياسة الحمائية السورية، في البيروقراطية وتفشي آفة التهريب وكذلك تواجه صعوبات في اللوائح وتحديد الاعباء ، في ابراز شهادة المنشأ، في ملائمة المواصفات والمقاييس، في تحديد المنتجات المعفاة ، في الحصول على الاذن المسبق للصناعات المستوردة من لبنان، في حصرية التعاطي مع المصرف التجاري السوري...
يمثل القطاع الصناعي اللبناني 14 % من الناتج المحلي ويواجه مشكلة ارتفاع كلفة الانتاج، وصعوبة التمويل، في المقابل يمثل القطاع الصناعي السوري نسبة 28 % من الاقتصاد ويتمتع بالدعم والحماية وبكلفة انتاج منخفضة نتيجة تدني كلفة اليد العاملة و كلفة الطاقة واسعار الاراضي الصناعية وكذلك بسبب الاعتماد على المواد الاولية المحلية. يستطيع القطاع الصناعي اللبناني منافسة القطاع الصناعي السوري في صناعات لا تتوفر موادها الاولية في سوريا وتشكل اليد العاملة نسبة متدنية وفي صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة. تحتاج الصناعة اللبنانية الى تطبيق قانون حماية الانتاج الوطني والى اتفاقيات قطاعية.
إتفاق حول اطلاق حرية العمل والاستخدام والاقامة وممارسة مختلف النشاطات الاقتصادية:
لا يوجد احصاءات دقيقة او دراسات سليمة عن حجم العمالة السورية في لبنان ( يتراوح بين 150 الف و1.8 مليون) او عن حجم تحويلاتهم الخارجية وتأثيراته على ميزان المدفوعات ( بين 180 مليون دولار و 1.5 مليار دولار سنويا) علما ان العديد من الارقام مبالغ فيه وغير واقعي. في الوقت عينه لا يمكن ربط هجرة اللبنانيين وزيادة البطالة بتدفق العمالة السورية لان هذه العمالة تقوم في غالبية الاحيان بنشاطات اقتصادية يرفضها العمال اللبنانيون وتتوزع بين قطاعي البناء( 40 %) والزراعة( 30%).
تساهم العمالة السورية في شكل فعّال في الاقتصاد عبر اليد العاملة الرخيصة والمنتجة فضلا عن ان العديد من ارباب العمل اللبنانيون يستخدمون هذه العمالة لرخصها ولعدم دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي.
يجب على الحكومة تنظيم استخدام اليد العاملة السورية والاقامة منعا للفوضى والاستغلال ولحماية اليد العاملة اللبنانية من خلال انشاء دائرة للعمال السوريين في وزارة العمل و يتطلب منها معالجة مشكلة التأمينات والضمان الاجتماعي وتشريعات العمل .
إتفاقية تزويد لبنان بالغاز السوري:
تحقق استخدام 3.5 ملايين متر مكعب وفر 150 مليون دولار سنويا على الخزينة .
إتفاقية تقاسم مياه نهر العاصي :
تعطي لبنان 80 مليون متر مكعب لري ستة الاف هكتار من الاراضي البور وتحظر حفر آبار في منطقة العاصي في البقاع.
أما العلاقات الاقتصادية اللبنانية ، فإن أهميتها تبرز على الشكل الاتي:
التبادل التجاري بين البلدين:
حقق نموا ملحوظا رغم الاجواء السياسية المتوترة بين البلدين اذ ارتفع من 384 مليون دولار في العام 2005 الى 495 مليون في العام 2008 اي بزيادة 29% واحتلت سوريا المرتبة الثالثة من الصادرات اللبنانية الى الدول العربية. اما الميزان التجاري فقد سجل فائضا قيمته 4 ملايين دولار في العام 2007 وعجز 50 مليون في العام 2008.
العلاقات المصرفية: تطورت في الفترة الاخيرة في شكل قوي نتيجة حاجة المصارف اللبنانية للانتشار الخارجي والانفتاح المالي السوري الذي اتاح لسبعة مصارف لبنانية في فتح فروع لها و نقل خبراتها وخدماتها الى الداخل السوري. يضاف الى ذلك استمرار رجال الاعمال السوريين إيداع اموالهم ومتابعة نشاطاتهم عبر المصارف اللبنانية.
الاستثمارات اللبنانية في سوريا : إحتل لبنان في العام 2007 المرتبة الثالثة بعد تركيا والسعودية. تتوجه الاستثمارات نحو القطاع المالي والعقاري والسياحي.
تعزيز حركة السياحة البرية: يفوق عدد السياح العرب القادمين بــرا من سوريا الى لبنان 100 الف سائح سنويا ويضاف اليها الاف السياح السوريين.
إنماء المناطق المجاورة لسوريا ( البقاع- عكار) وتعزيز نشاطها الاقتصـادي .
إستجرار الغاز المصري عبر سوريا يوفر سنويا 200 مليون دولار .
تعتبر سوريا بوابة العبور للصادرات اللبنانية الى المنطقة العربية.
تحتاج بعض الاتفاقيات الى المراجعة بسبب شعور البعض في الداخل بعدم تكافؤها وبسبب التطورات الاقتصادية التي حصلت مؤخرا في سوريا إضافة الى وجود الكثير من المعوقات فيها. ولكن هذه المراجعات يجب ان تتم في اجواء من التفاهم والهدوء وبشكل معمق لضمان مصلحة البلدين.