.

السعودية تعزز موقعها بين منتجي الغاز

 

تحول جيوسياسي للنفط من الغرب إلى الشرق... وتراجع صادرات السعودية من النفط الخام إلى الولايات المتحدة

اعداد حسن مروة
تشهد العلاقات النفطية الوثيقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، أكبر مستهلك للنفط في العالم، تغيراً، اذ في مؤشر وصف بالتحول الجيوسياسي للنفط من الغرب إلى الشرق، تراجعت صادرات السعودية من النفط الخام إلى الولايات المتحدة إلى دون مليون برميل يومياً، الأدنى منذ عقدين، في ذات الوقت الذي تخطت فيه واردات الصين من النفط السعودي هذا المستوى.ويعود تراجع الطلب الأمريكي على النفط من السعودية، أحد أهم مصادر إمداد الطاقة للولايات المتحدة، إلى تدني استهلاك الطاقة عموماً، وتزايد الاعتماد على الواردات من كندا وأفريقيا.
وكان النفط دائما هو محور الراوبط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي تربط الرياض بحليفتها واشنطن. وقال محللون إن هذه العلاقة قد ترتخي لكن النفط سيستمر في دعم الروابط السعودية الأميركية. اذ إن ما يمنح المملكة تأثيراً لدى واشنطن وبكين ومستهلكين آخرين لم يعد هو الصادرات المباشرة بقدر ما هو قدرة السعودية على موازنة سوق النفط العالمية.
والرياض هي المنتج الوحيد الذي يحوز فائضا كبيرا من الطاقة الانتاجية، وهو ما يجلعها الملجأ الرئيسي لمعالجة أي نقص كبير مفاجئ في الإمدادات العالمية.
وقال ديفيد كيرش مدير استخبارات السوق لدى بي.اف.سي انرجي في واشنطن: "كان النموذج القديم يتمثل في أن السعودية ترى أهميتها من ناحية الجغرافيا السياسية في أنها أكبر مورد الى أكبر سوق في العالم".
وتابع كيرش قائلا: "إنها لم تعد ترى ذلك المحرك الرئيسي. بدلا من ذلك... فإن السعودية لديها طاقة إنتاجية فائضة... ومستعدة لتعديل الإنتاج صعودا ونزولا لتلبية احتياجات السوق".
وبرغم انخفاض شحنات النفط إلى الولايات المتحدة فإن السعودية مع ذلك قامت بتوريد أكثر من عُشر الواردات الأميركية من الخام العام الماضي.
وقال فرانك فيراسترو رئيس برنامج الطاقة والأمن القومي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن السعودية أصبحت موردا موثوقا به على المدى الطويل للسوق الأميركي بدرجة أكبر من منافسين مثل فنزويلا أو نيجيريا.
وأضاف فيراسترو: "يضع ذلك السعودية في وضع متميز كمحور لسوق النفط على طرفي العالم". "السعودية مهمة جدا للولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية، وهناك إدراك أننا لا نستطيع فقدان السعوديين في أي وقت قريب".
مغازلة الصين
والتوجه شرقا

دفعت السعودية والصين علاقتهما الاقتصادية إلى آفاق تكاملية أوسع عبر توقيع مزيد من الاتفاقات الضخمة في مجال تعزيز التعاون التجاري والخدمات الصحية، والطاقة والإنشاءات والبنية التحتية. فقد وقع الجانبان خمس اتفاقيات خلال الزيارة الثانية للرئيس الصيني إلى المملكة هي: اتفاقية لإنشاء سكة حديد ( مكة ـ جدة)، اتفاقية إضافية للتعاون في مجال الغاز الإضافي والبترول، مذكرة تعاون في مجال الصحة العامة، إنشاء فرع لمكتبة الملك عبد العزيز في جامعة بكين، ومذكرة تعاون في مجال الجودة والمقاييس.
ويعكس توقيع البلدين على مزيد من الاتفاقات المحددة وبعد زيارة لخادم الحرمين إلى بكين في كانون الثاني 2006 ، تأكيدا جديا من الطرفين على رغبتهم في إيجاد علاقات استراتيجية، تدفعها كمحرك أساسي رغبة الصين في تأمين إمدادات نفطية وبترو كيميائية لتغذية صناعاتها التحويلية، ورغبة المملكة كأكبر مصدر للنفط في العالم الاستفادة من نمو أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان.
اذ يدفع نمو النمو الاقتصادي للمارد الآسيوي، بالحكومة الصينية لشراء المزيد من النفط السعودي، وهو توجه تشجعه السعودية، ونقلت "فاينانشيال تايمز" عن جون سفاكياناكيس، كبير الاقتصاديين بالمصرف الفرنسي السعودي في الرياض: "ومع تزايد الطلب العالمي في الشرق، توجهت السعودية نحو الشرق كذلك." كما ان تقلص الطلب على الطاقة في الغرب ينبئ بأن المملكة ستنافس بضراوة من أجل الهيمنة على سوق آسيا المتنامية، خصوصا في الصين. وفيما تعمل إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، جاهدة على تقليل اعتماد الولايات المتحدة على النفط الأجنبي وتشجيع الطاقة المتجددة، بالأضافة الى ما أظهرته وثيقة للمفوضية الأوروبية أن استراتيجية الطاقة للاتحاد الأوروبي قد تخفض الواردات من النفط والغاز بما يصل قيمته الإجمالية إلى 81.5 مليار دولار على مدى السنوات العشر القادمة.
وذكرت رويترز أن المسودة التي تحمل عنوان أوروبا 2020 تحمل آراء أولية بشأن استراتيجية الاتحاد للنمو الاقتصادي والوظائف والطاقة على مدى السنوات العشر المقبلة وسيكشف جوزيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الأوروبية النقاب عن نسخة نهائية بحلول الثالث من آذار المقبل.
وجاء في المسودة أن تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي في الطاقة قد ينتج عنه تقليل واردات النفط والغاز بما قيمته 60 مليار يورو بحلول 2020 الأمر الذي يعد ضروريا لاستقلال الاتحاد في مجال الطاقة.
وعليه تسعى بدورها السعودية إلى سوق مستقرة لاحتياطاتها النفطية. وفي هذا الاطار يأتي امداد مصفاة فوجيان في الصين التي تملك أرامكو السعودية الحكومية فيها حصة قدرها 25 بالمئة. وتعتزم الرياض شحن 200 ألف برميل يوميا الى مصفاة فوجيان هذا العام بعد أن بدأت المصفاة عمليات التشغيل في 2009. وتتطلع أرامكو ايضا للاستثمار في مصفاة صينية أخرى وهي محطة تعمل بطاقة 200 ألف برميل يوميا وتقع في ميناء تشينجداو في جنوب البلاد.
وأنهت شركة ارامكو عقد ايجار احتفظت به طويلا لتخزين خمسة ملايين برميل من النفط الخام في منطقة الكاريبي القريبة من السوق الأمريكية المهمة ويبدو ان بتروتشاينا الصينية العملاقة قد تحل محلها فيما قد يكون تحولا مهما في اتجاهات تجارة النفط العالمية.
وتبرز هذه الانباء بعد أسابيع فقط من اعلان وزير البترول السعودي علي النعيمي موافقة أكبر مصدر للنفط في العالم على عرض للتخزين المجاني في اليابان وبالاضافة الى المغزى الاقتصادي فان هذه الخطوة لها أبعاد ذات طابع سياسي اذ تنقل جزءا صغيرا لكنه مهم من الادوات التي تستخدمها السعودية لتوفير أمن الطاقة في أكبر الاسواق، فيما قيل ان مباحثات وزير الطاقة الأمريكي، ستيفن تشو، في الرياض الواقع في 23 /2/2010،ركزت على الأبحاث التقنية وليس السياسات النفطية، كما جرت العادة. وقال جرير العاص وآيمي مايرز من "جامعة رايس" في هيوستن إنه ولسنوات عدة، صدرت أوامر صارمة لشركة النفط الحكومية السعودية، آرامكو، لتقدم أولويات مبيعاتها من المادة إلى الولايات المتحدة، وفق إستراتيجية سياسية وليست تجارية"، إلا أن تلك الحكومة السعودية خففت هذه الإستراتيجية عام 2003.
واستوردت الولايات المتحدة 998 ألف برميل نفط يومياً في السعودية خلال الأشهر الأولى من العام الماضي، وهو الأدنى منذ عام 1988، وفقا للبيانات الرسمية، يتوقع محللون أن تؤكد أرقام شهر كانون الأول ذلك التراجع، وقابل ذلك ارتفاع قياسي في حجم صادرات الخام السعودي للصين في كانون الأول وبلغت معدل مليون برميل يومياً، حسب التقرير.
من الحظر الى الامداد...النفط الخليجي في المواجهة
مع توقع ارتفاع استهلاك الصين من النفط من معدلاتها الحالية عند 540 ألف برميل في اليوم إلى نحو 20 مليون برميل يومياً بحلول 2030، كشف تقرير أوردته "وول ستريت جورنال" في تشرين الأول الماضي عن سياسية أمريكية لتشجيع دول الخليج على رفع صادراتها النفطية إلى الصين في سياق مسعى لتقليل اعتماد التنين الآسيوي على النفط الإيراني وبالتالي تليين موقف حكومة بكين تجاه فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الصارمة ضد الجمهورية الإسلامية.
وبدأت الإستراتيجية الأمريكية تأتي أكلها، بإعلان الإمارات العربية المتحدة ، زيادة حجم صادراتها من النفط إلى الصين، على مدى الأشهر الستة المقبلة، إلى ما بين 150 ألف إلى 200 ألف برميل يومياً، عن المعدل الراهن، ويبلغ 50 ألف برميل يومياً.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مصدر إماراتي بارز قوله: "إن أبوظبي تخطط لزيادة إضافية هائلة "خلال السنوات الثلاثة المقبلة."وأورد المصدر ذاته عن مصادر مطلعة أن السعودية تبدو مستعدة لتعويض الصين عن أي تراجع في احتياجاتها من الطاقة في سياق جهود دولية لمعاقبة الجمهورية الإسلامية.وتنظر المملكة في كيفية الموازنة بين مشترياتها الضخمة من الصين من أسلحة ومنتجات إستهلاكية واستخدامها كسلاح ضغط لإجبار بكين عن النأي بنفسها عن طهران. وخلال الأشهر الخمس الأولى من العام الحالي، زودت السعودية الصين بـ740 ألف برميل نفط في اليوم، لتعد أكبر مصدر للطاقة للمارد الآسيوي، تلتها إيران بـ540 ألف برميل في اليوم.
ويشكك دبلوماسيون ومحللون شرق أوسطيون في فرص نجاح الولايات المتحدة والدول العربية، وعلى المدى البعيد، في اختراق هذا التحالف وكسر اعتماد الصين على الطاقة الإيرانية. اذ تعد بكين ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني، وخصصت استثمارات بقيمة مليارات الدولارات لاستثماراها في قطاع النفط والغاز الإيراني على مدى السنوات المقبلة.
وفي النهاية يرى المختصون أن أي هزة قد تتعرض لها مصادر إمدادات النفط في الشرق الأوسط ستظل تؤثر على الاقتصاد الأمريكي، رغم تراجع حجم الصادرات الأمريكية من السعودية، ومن ناحية أخرى، فإن تزايد الطلب الصيني على النفط من هناك، بالإضافة إلى واردات بكين الضخمة من الخام الإيراني، سيعزز من اهتمام الصين بالمنطقة.

مراجعة أرقام التبادل التجاري بين الصين والسعودية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 1990 تكشف عن زيادة حجم التبادل 19 مرة حتى سنة 2008، وهي زيادة ترجع بالأساس إلى ارتفاع الصادرات السعودية النفطية إلى الصين، وزيادة الصادرات السلعية الصينية إلى السعودية إلى حد ما؛ فبين عامي 2002 و2004، سجّلت الصين، مقارنةً مع باقي دول العالم، أعلى معدّل نمو في قيمة صادراتها إلى المملكة (160%)، وبين عامي 2006 و2008، زادت قيمة الصادرات الصينية إلى المملكة بمعدّل سنوي قدره 39%، بينما زادت قيمة الصادرات السعودية إلى الصين بمعدّل سنوي قدره 76%. وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 25 مليار دولار أمريكي سنة 2007، إلى41,8 مليار دولار أمريكي سنة 2008. هذه الزيادة تُعزى في جزء منها إلى زيادة صادرات النفط السعودي الخام إلى الصين في تلك السنة بنحو 40% حيث بلغت 36 مليون طن من النفط الخام، مثلت خُمس النفط الذي استوردته الصين من الخارج في سنة 2008. مما عوض السعودية عن تراجع إمداداتها لشركات النفط العالمية وللولايات المتحدة بسبب الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط .وحافظت السعودية على وضعها كأكبر شريك تجاري للصين في غربي آسيا وأفريقيا لمدة ثماني سنوات متتالية، بل إن السعودية مع الأقطار الخمسة الأخرى أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تعتبر ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم، بحجم تبادل تجاري بلغ السنة الماضية 79,3 مليار دولار أمريكي، مقارنة مع 58 مليار دولار سنة 2007. ويسعى الطرفان- الصين ومجلس التعاون الخليجي- للتوصل إلى اتفاق منطقة التجارة الحرة بينهما، التي ستدفع حجم التبادل الاقتصادي بين الطرفين بصورة كبيرة.

top


To view pages in PDF formget adobe

page3 page4
page5 page6
page7 page8
page9 page10
page11 page12