.

 

page3 page4
page5 page6
page7 page8
page9 page10
page11 page12


To view pages in PDF form
get adobe

مستقبل التعافي في الاقتصاد العالمي
الأحد, 4 يوليو 2010 الساعة 10:14
د. ناصر أحمد بن غيث: محاضر في جامعة السوربون - أبوظبي

في أواخر العام 2009 كثرت التوقعات والدراسات عن مستوى وزخم التعافي الذي بدأت تظهر بوادره في نهايات ذلك العام، الجدير بالذكر أن معظم الدراسات لم تخرج عن أحد 3 سيناريوهات: السيناريو الأول وهو ما يعبر عنه بسيناريو حرف (V) بالإنجليزية وهذا السيناريو يقول إن التعافي سيكون سريعاً ومستمراً ويكسب زخماً أكبر مع مرور الوقت إلى أن تعود الأمور إلى طبيعتها خلال فترة تمتد بين 12 إلى 18 شهراً .

والسيناريو الثاني وهو ما يعبر عنه بسيناريو حرف (U) بالإنجليزية وهو يقول إن التعافي سيكون بطيئاً لكنه سيكون مستمراً وسيتسارع بمجرد اكتساب الزخم المطلوب بعودة الثقة للمستثمرين والمستهلكين لكن الأرقام لن تعود إلى مستويات ما قبل الأزمة قبل سنتين إلى 3 سنوات. أما السيناريو الثالث فهو ما يعبر عنه بسيناريو حرف (W) بالإنجليزية والذي يعرف بالكساد المزدوج (Double Dip Recession) والذي يقول إن التعافي الحالي ستتبعه انتكاسة ثانية قبل أن تبدأ مرحلة التعافي الحقيقية وذلك مرده إلى أن التعافي الحالي ليس حقيقياً ولا يستند إلى أسس راسخة تدعمها بيانات حقيقية تعكس الوضع الحقيقي للاقتصاد الذي لم يستعد عافيته بعد ولم يستطع أن يخلق الزخم الذاتي الكافي لمواصلة النمو من دون الدعم الحكومي، لكن في ظل ما هو متوافر من أرقام وبيانات ما هو السيناريو الأقرب؟، وهل يمكن تحديد المسار المستقبلي للاقتصاد العالمي في ظل الضبابية وحالة عدم اليقين التي يمر بها؟ .

في البداية يجب التطرق إلى مدى إمكانية رسم سيناريو مستقبلي للمسار المتوقع للاقتصادات الفاعلة ومن ثم الاقتصاد العالمي ككل في ظل الظروف الراهنة التي أعتقد جازماً أنه لم يمر العالم بمثلها في التاريخ الحديث من حيث التشابك ودرجة الاعتمادية المتبادلة بين اقتصادات الدول من ناحية، ومن ناحية أخرى درجة التباين الكبيرة بين الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي وما يسمى بالاقتصاد الورقي أي الأصول الورقية التي لا تستند إلى أصول حقيقية، إضافة إلى تراجع درجة الشفافية سواء على مستوى الشركات أو مستوى الحكومات والتي أفضت إلى حالة غريبة وغير مسبوقة من عدم اليقين أدت إلى تعميق الأزمة وساعدت على استفحالها، ولا أدل على ذلك من المفاجآت التي تخرج علينا بين الحين والآخر معيدة الكل إلى المربع الأول للأزمة بعد كل مرة يسود الاعتقاد فيها أن الأزمة قد أخذت مداها وهي في طريقها إلى الانحسار، الآن وقد قيل ما قيل في الأزمة وظروفها لابد لي أن أعترف أن مسألة البحث في المسارات المستقبلية للاقتصاد العالمي تعتبر عملية صعبة إذا لم تكن مستحيلة، كما أن أي محاولة لولوج هذا الكهف المظلم ستكون في أفضل الحالات كمحاولة تقصي حالة الطقس البريطاني المتقلب وأنها –أي محاولة استشراف مستقبل الاقتصاد العالمي- ستكون في الغالب انعكاساً للقناعات الأيديولوجية للباحث أكثر منها انعكاساً لتحليل الأوضاع السائدة ووفق عملية تحليل تقوم على المنطق وأدوات البحث العلمي المعتبرة، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من خوض غمار هذه المعركة الصعبة لا لشيء إلا لإزالة حالة عدم اليقين الناتجة عن الأزمة التي تعتبر أسوأ من الأزمة نفسها لما لها من أثر سلبي كبير على الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلاً .

كما أود أن أعترف أني كنت ولا أزال أكثر ميلاً إلى الرأي القائل إن الأزمة المالية لاتزال في طور التشكل، وما حدث من تطورات وما تم اتخاذه من إجراءات حكومية لا يصب حتماً في خانة علاج أسباب الأزمة بقدر ما يصب في خانة علاج الأعراض فقط، كما أن ما ظهر من بوادر للتعافي لا يعدو أن يكون نتيجة لما تم إنفاقه من أموال كبيرة تقدر بتريليونات الدولارات، حيث إنه رغم ضخامة ما تم إنفاقه من أموال إلا أن أثر هذه الأموال كان دون المتوقع بكثير سواء من جانب خلق وظائف جديدة أو تخفيض معدلات نزيف الوظائف أو معدلات إفلاس الشركات والبنوك التي لاتزال مرتفعة، أو حتى في رفع معدلات التضخم التي لاتزال منخفضة جداً والتي كان من الممكن -لو كان الحال غير الحال- أن ترتفع إلى معدلات الـ20 أو حتى الـ30 بالمئة كنتيجة طبيعية للظروف الاقتصادية السائدة والمتمثلة في معدلات الإنفاق العام ومعدلات عرض النقود المرتفعة وكذلك معدلات الفائدة المنخفضة إلى معدلات تاريخية وغير القابلة للاستمرار طويلاً، الأمر الذي يعني بكل بساطة أن التعافي الحالي كان ولايزال تعافياً مصطنعاً وهو بذلك يكون معرضاً لانتكاسة قد تكون أكثر حدة متي ما تم إيقاف أو حتى تراجع زخم معدل الإنفاق الحكومي أو تراجع معدل عرض النقود أو رفع معدل الفائدة الحالي والذي يقترب من الصفر في الكثير من الدول، ما يعني أن السيناريو الثالث هو أكثر السيناريوهات ترجيحاً وهو ما بدأ يتضح للكثير من المراقبين والذي تأكده تصريحات الساسة والتي تجمع معظمها -على الأقل- على هشاشة التعافي الحالي، «والتعافي الهش» في عرف الساسة، مصطلح دبلوماسي مخفف «للتعافي المصطنع» وغير الحقيقي في عرف الاقتصاديين والمختصين .

وبالنظر في ما استجد من أحداث خلال الأشهر الـ6 الماضية يجد المرء 3 مؤشرات تجعل سيناريو الكساد المزدوج أكثر احتمالاً من الآخرين، بل تجعل هذا السيناريو أكثر احتمالاً من أي وقت مضى، وأول هذه المؤشرات وأكثرها دلالة وتأثيراً، أزمة الديون السيادية في أوروبا التي اندلعت بسبب عجز اليونان عن الإيفاء بالتزامات خدمة ديونها السيادية، ما كشف ذلك عن حجم المشاكل التي تعاني منها الدول الأوروبية والتي –أي المشاكل- كانت أكبر من المتوقع وظهرت في توقيت أبكر مما كان متوقعاً، وهو ما اضطرها أو سيضطرها إلى تقليص الإنفاق الحكومي وإيقاف خطط التحفيز قبل الأوان وقبل أن يبدأ تأثيرها الفعلي، ليس ذلك فحسب بل اضطرت أزمة الديون وعجوزات الموازنات الحكومية الدول الأوروبية لإقرار خطط تقشف مالي صارمة -تتلخص في رفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات والبرامج الاجتماعية ورفع الضرائب- للسيطرة على الديون الحكومية والعجوزات التي وصلت بسبب الأزمة المالية إلى مستويات تاريخية، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تراجع «التعافي المصطنع» والمدعوم بالإنفاق الحكومي الكبير، ما يعني أن الاقتصادات الأوروبية مرشحة للانتكاس في كساد ثانٍ قد يكون أعمق وأكثر حدة بسبب غياب الدعم والمساعدة الحكومية .

المؤشر الثاني يتمثل في تراجع الكثير من المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تنبئ بانحسار الزخم والتأثير الذي كان بسبب خطط التحفيز التي أقرتها إدارة بوش ومن بعدها إدارة أوباما ما يعني فشل هذه الخطط في تحفيز الاقتصاد الأمريكي الضعيف وإيصاله إلى مرحلة التعافي الفعلي التي تمكنه من الاستمرار في النمو اعتماداً على زخمه الذاتي .

المؤشر الثالث يتمثل في الارتفاع الكبير لأسعار الذهب والمعادن النفيسة، ما يشير إلى أن الإقبال عليها لايزال قوياً كملاذات آمنة لحفظ القيمة والتحوط ضد التقلبات الاقتصادية وحالة عدم اليقين التي تلف الوضع الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يعني أن الثقة في الأوضاع الاقتصادية في مختلف الدول لاتزال ضعيفة، كما أن الإجراءات التي اتخذتها مختلف الحكومات فشلت في استعادة ثقة المستثمرين والمستهلكين وتشجيعهم على الاستثمار والاستهلاك .

مما سبق يتبين بدرجة مقبولة من الوضوح أن سيناريو الكساد المزدوج يعتبر أقرب وأكثر احتمالاً من أي وقت مضى، كما أن السؤال الآن ليس «إذاً» بل «متى» ستضرب الموجة الثانية من الكساد؟، كما أن التساؤل الأكثر إلحاحاً للساسة والمراقبين هو عن عمق ومدى التأثير الذي ستخلفه الموجة الثانية من الكساد، والذي أعتقد أنه – أي التأثير- سيجاور الجانب الاقتصادي إلى الجانب السياسي والاجتماعي، وسيخلف عالماً مختلفاً تماماً عن العالم الذي نعيش فيه اليوم .

للتواصل مع الكاتب