.

 

 



To view pages in PDF form
get adobe

moush

الفساد يحتاج طرفين.. واكثر

الفساد كفعل بحد ذاته يحتاج الى طرفين، وقد يكون اكثر الافعال التي يحتاج فيها الطرف الفاسد طرفا آخر كي يمارس فساده عليه. هذه معادلة اجتماعية سياسية، لا تحتاج الى الكثير من الجهد كي تبدو مقنعة. ومناسبة هذا الكلام الكشف عن مخازن ومروجي اللحوم والاسماك والاطعمة الفاسدة المنتهية الصلاحية، التي تتكشف فصولها كل يوم ليشاهد اللبنانيون صورة الطعام الذي يأكلونه ويدفعون مقابله ارفع الاسعار قبل ان يجري تقديمه اليهم في صحون انيقة تلفّها اشواك ومعالق الفضة وتحيط بها الزهور وربما الشموع فوق الشراشف البيضاء. صورة تشبه الى حدّ ما الواقع اللبناني المهترء الذي لا يمكن تفريق بشاعته عن بشاعة اللحوم الفاسدة وضمورها وميلها نحو السواد. واذا كانت الرائحة الكريهة التي تصدر عن هذا النوع من الاطعمة المنتهية الصلاحية لا يمكن "التقاطها " في الصورة، فإن رائحة الفساد المستشري على هذا الصعيد قد بدأت بالتسرب الى انوفنا وامعائنا ورغم ذلك لا نبدو اننا مكترثون جدا بهذا الملف.
كان من المفترض ان يشكّل حدثٌ من هذا النوع صدمة للشارع اللبناني، بحيث نشاهد اللبنانيين وقد خرجوا من منازلهم وتداعوا للتفكير في كيفية حماية انفسهم واولادهم من هذه السموم المتداولة وتشكيل اطر اجتماعية وشعبية ومدنية ضاغطة من اجل تفعيل المحاسبة والرقابة ومواجهة المشكلة بقوة واظهار الرفض القاطع لأي مساومة على حياتهم وصحتهم. لم يحدث شيء من كل هذا الى درجة أعلن فيها رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي في لبنان أن تأثير قضية المواد الغذائية الفاسدة "لم يتعدّ أربعة أيام وتحديداً المطاعم التي تُركز في لوائح الطعام على اللحوم " وبعد ذلك عاد كل شيء الى طبيعته "!!
لسنا امام قضية فساد عادية من تلك القضايا التي اعتاد اللبنانيون عليها وبعضهم قد يكون شريكا فيها بشكل مباشر او غير مباشر، ورغم ذلك يبدو الرأي العام اللبناني غير مكترث بالنظر الى حجم الضرر والقضية التي لا تخضع لنظرية "ابعد عن الشر وغنيلو ". فالشر وصل الى الامعاء والابناء وطاولة الطعام، ولم يشكّل فارقا كبيرا بالنسبة الى شعب صار ينظر الى هذه القضايا على انها جزء من يومياته، وهو اذ "يتأفف " ويشكو بينه وبين نفسه لم يقم بأي خطوة من شأنها دفع الضرر الحالي والمستقبلي عنه وعن لقمته.
النظام الاجتماعي والسياسي في حد ذاته يشجّع على الفساد والرشوة والواسطة ويقدم غطاء سياسيا لكل فاسد بسبب الانتماء السياسي والاجتماعي والطائفي بالدرجة الاولى. وعندما نقول ان البلد غارق في الفساد نقصد وجود تواطؤ غير معلن بين "الموزّع والمستهلك" بين الفاسد والمعرّض للفساد، اما الدولة التي من المفترض ان تكون رقيبا وحسيبا بين الطرفين تلعب دور الوسيط المتفرّج الذي لا يتحرّك الا اذا وقعت الكارثة، وعندما تتحرك تكون خطواتها بطيئة متثاقلة كأنها تفعل ذلك بسبب انكشاف الفضيحة وليس استنادا الى مسؤوليتها ودورها والصلاحيات المناطة بها في القانون، ناهيك عن محاولات التغطية السياسية التي يؤمنها بعض رموزها للفاسدين من اجل الاستمرار في فسادهم او الافلات من العقاب.
القضية التي نحن في صددها كشفت كثيرا من مواطن الضعف والخلل على مستوى "الشعوب اللبنانية"، وقدرتها على التعبير عن نفسها بشكل قوي وحاسم وواضح عندما يتعلّق الامر بخطر الموت جرّاء وجبة غذائية فاسدة وصلت الى المائدة بفعل نظام العلاقات الغريب العجيب بين الدولة والتاجر والمستهلك.
غسان جواد